محتوي الموضوع
إن الشعر هو أرقي طرق التعبير عن أرق المشاعر يصيغها شاعر مرهف الحس، وشاعرنا اليوم هو محمود سامي باشا البارودي، من أشهر شعراء العصر الحديث وينسب له أنه صاحب مدرسة البعث والأحياء في الشعر الحديث
نبذة عن الشاعر:-
ولد محمود باشا سامي عام 1839م من أصل جركسي نسب إلى مركز إيتاي البرود بمصر، أول من عارض الطريقة القديمة في الشعر وأول من أتبع نهجاً جديداً سار عليه العديد من شعراء عصره بعده، أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وغيرهم من رواد مدرسة البعث والإحياء في الشعر، كان فارس درس في المدرسة الحربية، وشارك بالثورة العرابية، وتم نفيه جراء ذلك إلى جزيرة سيلان، وتعلم الإنجليزية وترجم العديد من الكتب إلى اللغة العربية، وتوفى بمصر عام 1904 م، وسنقدم بعض من أشعاره في الحب في السطور القادمة:
قصيدة فيها عتاب للحبيب :-
وِصَالُكَ لِي هَجْرٌ وَهَجْرُكَ لِي وَصْلُ
فَزِدْنِي صُدُوداً مَا اسْتَطَعْتَ وَلا تَأْلُ
إِذَا كَانَ قُرْبِي مِنْكَ بُعْدَاً عَنِ الْمُنَى
فَلا حُمَّتِ اللُّقْيَا وَلا اجْتَمَعَ الشَّمْلُ
وَكَيْفَ أَوَدُّ الْقُرْبَ مِنْ مُتَلَوِّنٍ
كَثِيرِ خَبَايَا الصَّدْرِ شِيمَتُهُ الْخَتْلُ
فَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَنْتَهِي
إِلَى حَيْثُ لا طَلْحٌ يَرِفُّ وَلا أَثْلُ
خَبُثْتَ فَلَوْ طُهِّرْتَ بِالْمَاءِ لاكْتَسَى
بِكَ الْمَاءُ خُبْثاً لا يَحِلُّ بِهِ الْغَسْلُ
فَوَجْهُكَ مَنْحُوسٌ وَكَعْبُكَ سَافِلٌ
وَقَلْبُكَ مَدْغُولٌ وَعَقْلُكَ مُخْتَلُّ
بِكَ اسْوَدَّتِ الأَيَّامُ بَعْدَ ضِيَائِهَا
وَأَصْبَحَ نَادِي الْفَضْلِ لَيْسَ بِهِ أَهْلُ
فَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِي الدَّهْرِ مَا انْقَضَّ حَادِثٌ
بِقَوْمٍ وَلا زَلَّتْ بِذِي أَمَلٍ نَعْلُ
فَمَا نَكْبَةٌ إِلا وَأَنْتَ رَسُولُهَا
وَلا خَيْبَةٌ إِلا وَأَنْتَ لَهَا أَصْلُ
أَذُمُّ زَمَانَاً أَنْتَ فِيهِ وَبَلْدَةً
طَلَعْتَ عَلَيْهَا إِنَّهُ زَمَنٌ وَغْلُ
ذِمَامُكَ مَخْفُورٌ وَعَهْدُكَ ضَائِعٌ
وَرَأْيُكَ مَأْفُونٌ وَعَقْلُكَ مُخْتَلُّ
مَخَازٍ لَوَ انَّ النَّجْمَ حُمِّلَ بَعْضَهَا
لَعَاجَلَهُ مِنْ دُونِ إِشْرَاقِهِ أَفْلُ
فَسِرْ غَيْرَ مَأْسُوفٍ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا
قُصَارَى ذَمِيمِ الْعَهْدِ أَنْ يُقْطَعَ الْحَبْلُ
****
قصيدةتتحدث عن الهوى وعذابه:-
وَيْلاهُ مِنْ نَارِ الْهَوَى
وَآهِ مِنْ طُولِ الْجَوَى
أَرْسَلْتُ طَرْفِي رَائِداً
فَمَا عَلا حَتَّى هَوَى
وَسَارَ قَلبِي خَلْفَهُ
فَلَمْ يَعْدُ حَتَّى اكْتَوَى
قَدْ طَالَمَا زَجَرْتُهُ
يَا لَيْتَهُ كَانَ ارْعَوَى
لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ
وَآفَةُ الْقَلْبِ الْهَوَى
أَمَا كَفَى هَذَا الْجَفَا
حَتَّى أَعَانَتْهُ الْنَّوَى
أَيْنَ اللِّوَى وَعَهْدُهُ
أَيْهَاتَ عَهْدٌ بِاللِّوَى
وَظَبْيِ أُنْسٍ سُمْتُهُ
إِنْجَازَ وَعْدِي فَلَوَى
طَلَبْتُ مِنْهُ قُبْلَةً
فَازْوَرَّ عَنِّي وَالْتَوَى
وَسُمْتُهُ وَعْدَ الْمُنَى
فَانْحَازَ عَنِّي وَانْزَوَى
يَا سَائِلِي عَنْ حَالَتِي
دَعْنِي فَصَبْرِي قَدْ ذَوَى
وَكَانَ قَلْبِي رَاشِدَاً
لَكِنَّهُ الْيَوْمَ غَوَى
أُوقِعَ فِي أَشْرَاكِهِ
لِكُلِّ حَيٍّ مَا نَوَى
فَكَيْفَ أَمْضِي فِي الْهَوَى
وَالْجِسْمُ مَحْلُولُ الْقُوَى
وَأَيْنَ أَبْغِي نَاصِرَاً
هَيْهَاتَ وَالْخَيْرُ انْطَوَى
أَصْبَحْتُ فِي تَيْهُورَةٍ
يَسْأَمُ فِيهَا مَنْ ثَوَى
لا صَاحِبٌ وَافَى وَلا
خِلٌّ إِلَى حَالِي أَوَى
فَيَا إِلَهِي رَاعِنِي
وَادْفَعْ عَنِ النَّفْسِ التَّوَى
وَلا تَكِلْنِي لِلَّتِي
لَوْ صَادَفَتْ نَجْمَاً خَوَى
*****
قصيدة تتحدث عن الشوق إلى الحبيب :
صَرِيعُ هَوَىً لا أَذْكُرُ اليَوْمَ بِاسْمِهِ
وَلا أَعْرِفُ الأَشْخَاصَ إِلَّا تَمَادِيَا
فَيَا عَيْنُ لا زَالَتْ يَدُ السُّهْدِ تَمْتَرِي
أَسَاكِيبَ دَمْعٍ مِنْكِ تُرْوِي الْمَآقِيَا
فَأَنْتِ الَّتِي أَوْرَدْتِ قَلْبِي مِنَ الْهَوَى
مَوَارِدَ لَمْ تَتْرُكْ مِنَ الصَّبْرِ بَاقِيَا
أَطَعْتُكِ فَاسْتَسْلَمْتُ بَعْدَ شَكِيمَةٍ
أَعَضَّتْ بِأَطْرَافِ الشَّكِيمِ الْمَذَاكِيَا
فَإِنْ أَنَا سَالَمْتُ الْهَوَى بَعْدَ هَذِهِ
فَلَسْتُ ابْنَ أُمِّ الْمَجْدِ إِنْ عُدْتُ ثَانِيَا
يَلُومُونَ أَشْوَاقِي كَأَنِّي ابْتَدَعْتُها
وَلَوْ عَلِمُوا لامُوا الظِّبَاءَ الْجَوَارِيَا
وَمَا لِيَ ذَنْبٌ عِنْدَهُمْ غَيْرَ أَنَّنِي
شَدَوْتُ فَعَلَّمْتُ الْحَمَامَ الأَغَانِيَا
وَهَلْ يَكْتُمُ الْمَرْءُ الْهَوَى وَهْوَ شَاعِرٌ
وَيَثْنِي عَلَى أَعْقَابِهِنَّ الْقَوَافِيَا
فَيَا نَسَمَاتِ الْفَجْرِ مَا لَكِ كُلَّمَا
تَنَسَّمْتِ أَضْرَمْتِ الْهَوَى فِي فُؤَادِيَا
وَيَا سَجَعَاتِ الأَيكِ رِفْقَاً بِمُهْجَةٍ
وَيَا لَمَحَاتِ الْبَرْقِ بِاللَّهِ خَبِّرِي
أَخِلَّايَ بِالْمِقْيَاسِ عَنِّي سَلامِيَا
وَيَا عَذَبَاتِ الْبَانِ إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا
تَمِيلُ مَعِي شَوْقاً فَلُقِّيتَ دَاوِيَا
وبهذا نكون قدمنا ثلاث قصائد من أفضل ما كتب الشاعر محمود سامي بك البارودي في الحب، ففي القصيدة الأولى قدمنا قصيدة بها عتاب رقيق من الشاعر إلى حبيبته بألفاظ رصينة وبليغة، ذات معاني رقيقة وصور حية متنوعة، وفي القصيدة الثانية قدمنا قصيدة كتبها محمود سامي بك البارودي يتحدث فيها عن الهوى وويلاته، بالنسبة لعاشق متلهف على محبوبته ، وكيف يتأثر العاشق حين لا يجد من الحبيب ما يروى ظمأه من الحب، وفي القصيدة الأخيرة قدم لنا الشاعر في صورة رقيقة وحية كيف عبر عن اشتياقه لمحبوبته وكيف تكون صورة المحبوبة في ذهن العاشق، وبهذه القصائد وغيرها تربع محمود سامي البارودي على عرش التجديد في الشعر الحديث حيث تنوعت كتاباته بين الوطني والعام والرومانسي ولكن العامل المشترك بين جميع أعماله هي اللغة الرصينة الموزونة رغم التجديد.